| مرافعة محمد المرواني أمام هيئة المحكمة يوم 14 ماي 2009 |
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) الإسراء 80/82. السيد الرئيس المحترم، السادة المستشارون المحترمون، السيد ممثل النيابة العامة المحترم، السيد كاتب الضبط المحترم، السادة المحامون المحترمون، أيها الحضور الكريم، مناقشة الوقائع اسمحوا لي في البداية أن أمهد لهذه المناقشة: لماذا نحن اليوم هنا؟ نحن هنا اليوم هنا بحثا عن الحقيقة وكشفا لها، من أجل ماذا؟ من أجل العدالة، من أجل أن تنتصر الحقيقة ومن أجل إحقاق الحقيقة. اليوم هناك إرادة سياسية، ومن أعلى المستويات لإصلاح القضاء ببلادنا، وأتمنى صادقا أن نجعل من هذه النازلة التي بين أيدينا، أن نجعل منها مناسبة تاريخية لتدشين هذه الإرادة السياسية في الإصلاح القضائي. ونحن اليوم هنا من أجل تنوير الرأي العام. تعرفون، السيد الرئيس، أن الرأي العام المغربي معروف تاريخيا بعفويته، فحين تكون الأمور واضحة ولا لبس فيها، يقدم المغاربة ولا يترددون، وإذا ترددوا، فاعلم ان هناك شبهات وشوائب. لذلك نجد المغاربة يخرجون للتظاهر ولا يترددون حينما ينادي منادي فلسطين.. نفس الأمر وجدناه حينما وقعت الأحداث الدامية بالدار البيضاء في 2003، بحيث خرج المغاربة للتظاهر والتنديد ولم يترددوا. فلماذا في هذه النازلة، لا أقول أن الرأي العام انقسم حولها بين القبول والرفض، بل لماذا اتجه في غالبيته إلى رد ورفض الرواية التي قدمها وزير الداخلية في ندوة 20 فبراير 2008؟ بل لماذا انبرى العديد من المنظمات الحقوقية والمدنية والفعاليات والهيئات السياسية والفكرية للتعبير عن تضامنهم معنا وتشكيل لجنة وطنية للتضامن معنا؟ وهذه مسألة مهمة. أنتم كقضاة ستختلون، بعد المناقشة والمرافعات للمداولة، وعليكم أن تستحضروا هذه المسألة: لماذا رفض المغاربة هذه النازلة ولم يقبلوها؟ السيد الرئيس، السادة المستشارون المحترمون، حين نقول الحقيقة، فإننا نعني "العلم القاطع الجازم بأن ما وقع قد وقع فعلا (من حيث الفعل والفاعل أو الفاعلين) وأنه تم التوصل إلى ما وقع فعلا في إطار احترام مقتضيات القانون، وأنه (أي ما وقع) لا تشوبه شائبة أو شبهة من حيث السياق لأن الحدود تدرأ بالشبهات كما تقول القاعدة الفقهية القانونية. وعليه، لا تتكون القناعة بالحقيقة إلا عبر استجماع أو انعقاد ثلاثة عناصر: الأول، هو طريقة التوصل إليها ومعناه في هذه النازلة: هل تم احترام مقتضيات قانون المسطرة الجنائية أم لا؟ الثاني، استيعاب سياق النازلة أو ما يصطلح على تسميته بأسباب النزول والورود لتسليط الضوء على جوهر الحقيقة. أما العنصر الثالث فهو مناقشة الأدلة وتمحيص الوقائع ومساءلتها في ركنيها المادي والمعنوي حتى يتسنى إما ترجيحها أو استبعادها أثنا اختلاء هيئة الحكم إلى المداولة. على المستوى الأول، عشنا لحظات مضيئة في تاريخ الدفاع والمحاماة بحيث أبلت هيئة الدفاع ويتقدمها السادة الأساتذة النقباء البلاء الحسن وكشفوا عن الإجراءات المعيبة كما بينوا نواقض هذه المتابعة. وإجمالا يمكن الإشارة إلى ثلاث ملاحظات أساسية خلال دفوعاتهم: الأولى، أنه حصل انتهاك جسيم لإرادة القضاء من قبل السلطة التنفيذية في شخص وزير الداخلية، مما ألحق أبلغ الضرر بمسطرة التحقيق والمتابعة وبالتالي وجب ترتيب الآثار القانونية على ذلك وهي بطلان المتابعة. أما الثانية، فهي أن النازلة بنيت في منطلقها على الاختطاف والتعذيب، والاختطاف والتعذيب باطل ولا متابعة تتأسس على الباطل. أما الملاحظة الثالثة، فتمثلت في إبراز الخروقات الشكلية والمسطرية الكثيرة التي شابت إعداد المحاضر وإجراءات التفتيش والحجز. وهذه الملاحظات الثلاث غيض من فيض.. وهي في مجموعها تبين الهشاشة التي بني عليها هذا الملف. أما على المستوى الثاني أي مستوى عرض سياق النازلة. فأقول أن السياق جزء من الحقيقة وله دور أساسي في تسليط الضوء حول الحقيقة. في نونبر 2006، قمنا بإيداع تصريح بتأسيس حزب سياسي لدى الدوائر المختصة بوزارة الداخلية كما هو مقرر في قانون الأحزاب السياسية. وبعد مرور الآجال القانونية دون أن نتوصل بالوصل (أو إشعار المطابقة كما هو وارد في قانون الأحزاب السياسية) أصدرنا بيانا نعلن من خلاله عن تأسيس حزب سياسي اخترنا له اسم "حزب الأمة"، ثم شرعنا في الترتيب لعقد المؤتمر التأسيسي. وبموازاة مع ذلك تحركنا باتجاهين: أولهما، باتجاه التحسيس الإعلامي للتعريف بقضيتنا، وثانيهما باتجاه القوى الوطنية الديمقراطية باختلاف مرجعياتها الفكرية والسياسية. على المستوى الأول، حققنا اختراقا إعلاميا مهما جعل قنوات دولية (الجزيرة، العربية، المنار، العالم...) ووكالات أنباء عالمية (رويترز وغيرها) تقبل علينا وتهتم بأنشطتنا وتقوم بتغطيتها. وعلى المستوى الثاني، تشكلت لجنة وطنية للتضامن مع حزب الأمة، وقد شملت مختلف مكونات الطيف السياسي والحزبي ببلادنا. وهذه الأمور لم تعجب الدوائر المختصة في وزارة الداخلية، فواصلت تلكؤها في تسليمنا إشعار المطابقة. وحين حاولنا عقد مؤتمرنا بإحدى القاعات، مارسوا ضغطا على أصحاب تلك القاعات، فتوجهنا إلى القوى الوطنية والديمقراطية الصديقة. تلقينا عرضا من غالبية مكونات لجنة التضامن مع حزب الأمة، واستقر الاختيار على مقر الحزب الاشتراكي الموحد باعتباره المقر القادر على استيعاب عدد المؤتمرين.. الذين بلغ عددهم حوالي 700 مؤتمرة ومؤتمر. ومع عقد المؤتمر في 03 يونيو 2007، وبالتغطية الإعلامية التي صاحبته، انزعج مهندسو بيت الطاعة السياسية في وزارة الداخلية فدشنوا مخططهم في مواجهتنا: كانت البداية هي إحالة ملف الحزب على القضاء الإداري بهدف إبطاله.. وهي سابقة اولى من نوعها وذلك من جهتين: أولا، أن وزارة الداخلية تدخل في دعوى مع مواطنين أرادوا أن يعملوا في إطار القانون. وثانيا، أنهم بذلك أرادوا منعنا من المشاركة في الانتخابات التشريعية والحال أنهم كانوا يملأون الدنيا ضجيجا بدعوة المواطنين للمشاركة في العملية الانتخابية، بل لقد صرفت أموال وتأسست جمعيات لهذا الغرض.. في حين، كنا نحن جاهزين للمشاركة ولم نكن بحاجة إلى من يقنعنا بذلك.. أليست هذه إحدى مفارقات الزمن السياسي المغربي الراهن؟ كان هذا هو الترتيب الأول.. ولكن كان ترتيبا بئيسا.. كانت ضربة في الماء.. واصلوا ترتيبهم.. إلى أن تم تدبير هذه القضية.. فكانت هذه النازلة.. هذا هو السياق.. وهو كاشف لعورات هذه النازلة.. إنها نازلة تحكي قصة رحلة تحول تأسيس حزب سياسي إلى قصة إرهاب!! ولهذا قلت وأؤكد اليوم أن هذه النازلة ما هي إلا صناعة أمنية سياسية لتصفية حساب سياسي. لقد رفضنا الدخول إلى بيت الطاعة السياسية وأردنا أن نكون حزبا صادقا في تعاطيه مع الشأن العام.. وها نحن اليوم نؤدي ثمن هذا الرفض وتكلفة تلك الارادة.. والحمد لله على كل حال. ولهذا أقول لهؤلاء ولغيرهم: إن المغرب بحاجة إلى حلول سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لا إلى تصريفات وترتيبات أمنية.. البطولة الحقيقية أن نبني الأوطان على قاعدتي الأمن الشامل والعيش الآدمي الكريم، أن نحترم الحقوق والحريات، أن نحل المشاكل لا ان نصفي الحسابات.. إن دولة الحق والقانون ليست مجرد شعارات، بل هي التزامات ملموسة. ولهذه الاعتبارات، فإن المغرب بحاجة إلى أحزاب حقيقية وجادة ومسؤولة لا إلى أحزاب لا تجيد إلا فن التصفيق والموافقة لأن هذا الفن يخدع لكنه مكلف سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لاجتماعنا السياسي وغير مفيد له. وإليكم السيد الرئيس السادة المستشارون المحترمون مثالين عن معنى دولة الحق والقانون. المثال الأول من فرنسا، ويتعلق الأمر بالوزير الأول الفرنسي بيريغوفوا الذي أخذ قرضا من البنك الوطني لباريس BNP دون فائدة، فلما انكشف أمره في الإعلام اختلى بنفسه في جنوب فرنسا ليوجد فيما بعد منتحرا. وقد ترك ورقة قدم فيها اعتذارا للشعب الفرنسي. والمثال الثاني من تركيا، لوزيرها الأول أردوغان الذي استعمل سيارة الدولة خارج المدار المسموح به فنظمت وقفات احتجاجية ضده. فماذا عمل؟ لقد قدم اعتذاره للشعب التركي عبر شاشة التلفاز على استعماله ذلك. هذه هي دولة الحق والقانون. إنها تكون احساسا مرهفا لدى المواطنين عموما ولدى المسؤولين خصوصا وهذا هو ما نطمح إليه. أما في هذه النازلة فقد سمح وزير الداخلية لنفسه في ندوة 20فبراير 2008، وهو لا يمت بصلة إلى القضاء بل وفي مرحلة تتميز بسرية التحقيق، إلا أن يكيل لنا التهم في توجيه سياسي صريح للشرطة القضائية ابتداء ولقاضي التحقيق ثانيا.. بل ذهب الناطق الرسمي للحكومة أبعد من ذلك إلى تهديد المتشككين في هذه الرواية التي قدموها للرأي العام. وا حزناه على هذا البلد.. وا حزناه على هذا البلد.. وا حزناه على هذا البلد.. فما هكذا تبنى الأوطان؟ وما هكذا تبنى وتشيد دولة الحق والقانون؟ ولكم كنت اتمنى أن يقوم وزير الداخلية بتقديم اعتذار للمغاربة على خرقه للقانون.. كان سيكبر في عيني.. ولكن للأسف الشديد.. تمادى في تبني روايته بدون أن يقدم أي دليل، وحتى لو كان عنده الدليل فقد خرق مقتضيات القانون بانتهاكه الجسيم لفضاء القضاء وبخرقه لمبدأ قرينة البراءة ومقتضى سرية التحقيق. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، نعم.. لقد ضبطنا متلبسين، ولكن بماذا؟ لقد ضبطنا متلبسين بمحاولة تأسيس حزب سياسي أصيل رفض الانصياع لتعليمات جهات بوزارة الداخلية كما رفض أن يكون شريكا مع تلك الجهات في عدم احترام القانون وعدم تطبيقه. وهذا هو جوهر هذه النازلة والوقائع المفبركة ما هي إلا تفاصيل، وسندحضها بالأدلة والحجج والبراهين والقرائن وسنبين تهافتها بإذن الله لأنه لا يصح إلا الصحيح والزيف، مهما علا بريقه، فلا سيطيع الصمود امام الحقائق الدامغة. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، الآن انتقل إلى العنصر الثالث في تكوين القناعة بالحقيقة ألا و هو تمحيص الوقائع ومساءلتها. وبهذا الخصوص لدي ثلاث ملاحظات. الأولى، أن الوقائع المزعومة في المحضر المزور تنتمي إلى مرحلة قديمة نسبية، وهذا فرض علينا القيام بتمرين في الذاكرة. فما وجدنا فيه (أي في هذا التمرين) من وثائق كان التمرين سهلا، وما لم نجد فقد نتوفق احيانا وقد لا نتوفق وفي كلتا الحالتين فقد تكون قد ضاعت منا معطيات وعناصر لفائدة دحض هذه الوقائع.. ولكن مع ذلك وبرغم كل ذلك، سنعرض تلك الوقائع وسنمحصها وسنسائلها وسنبين تهافتها وبطلانها. الملاحظة الثانية تتعلق بالشكل، نحن الآن نناقش الوقائع في غياب المحجوز وبدون شهود بل وفي غياب وسائل الاثبات. وهذا مناقض لمقتضى المادة 287 التي تنص صراحة على أنه "لا يمكن للمحكمة ان تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفهيا وحضوريا امامها". الملاحظة الثالثة إن محضر الضابطة القضائية الذي تناقشون معي الوقائع المضمنة فيه هو محضر مزور ولذلك أطعن فيه ولا أعتبره وثيقة مرجعية لهذه المناقشة. ولذلك سأرتب على ذلك ما يلزم من آثار ونتائج أثناء مناقشة الوقائع المفترضة المتضمنة فيه. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، لم يكن عبثا أن خص المشرع الفرع الأول في باب الجلسات لوسائل الاثبات (المواد 286 إلى 296 من قانون المسطرة الجنائية) وها نحن نتابع اليوم في غياب تام لوسائل الاثبات.. فلا محجوز ولا شهود ولا خبرة، والمحضر مطعون فيه بالزور. وحتى لو كان غير مطعون فيه بالزور فما هو سوى مجرد معلومات كما تنص المادة 291 من قانون المسطرة الجنائية. وعليه، أطلب منك السيد الرئيس أن تقدموا لنا الأدلة التي تم اتهامنا بناء عليها حتى نناقشها ويكون لنقاشنا معنى قانونيا وواقعيا. إن القضاء هو الأدلة والبينات والحجج فلا قضاء بلا حجة وبلا أدلة وبلا بينات، وخاصة أن المادة 422 من قانون المسطرة الجنائية تعطيكم السيد الرئيس صلاحيات تقديرية واسعة باتخاذ القرارات والأمر بالتدابير الكفيلة بالكشف عن الحقيقة ما لم يمنعها القانون. مناقشة الوقائع المفترضة كما هي في المحضر المزور للضابطة القضائية 1 ـ الواقعة الأولى: تأسيس الاختيار الإسلامي هذه هي النقطة التي أخذت وقتا مهما في البحث التمهيدي لدى الشرطة القضائية وتعلقت بالمسار التاريخي الفكري والسياسي والتنظيمي، لقد كانوا حريصين على معرفة التفاصيل في تلك المسيرة. وهنا، وقبل التفصيل، أود أن أخبركم السيد الرئيس أنه بعد إطلاعي على المحضر المزور وجدت أنه قد تم حذف أو توظيف بعض العناصر التاريخية في اعداد هذا الملف المفبرك الذي نطعن فيه بالزور وسأوضح الأمر في حينه. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، مبتدأ الاختيار الإسلامي كان حالة فكرية وسياسية ومنهجية وإستراتيجية وتنظيمية نقدية لمشروع الشبيبة الإسلامية على مستوى ثلاثة أبعاد: الأول، هو ضرورة الارتباط بالوقع في خصوصياته وتفاعلاته دون انغلاق. البعد الثاني يتعلق بإقرار الشورى والديمقراطية الداخلية. البعد الثالث هو التأكيد على الانفتاح وتوسل الحوار ونبذ العنف في تدبير الاختلاف السياسي والتنظيمي والفكري. هذه الحالة النقدية كانت بدون عنوان في البداية من سنة 1978 إلى حدود سنة 1981، وفي 29 أكتوبر 1981، ومن اجل تلبية حاجات التواصل مع المكونات المتواجدة على الساحة اخترنا لهذه الحالة اسما هو "الاختيار الإسلامي". أما جوهر مشروع هذه الحالة، كما يؤكد ذلك عنوانها، فقد كان مشروعا دعويا تربويا سياسيا وطنيا ديمقراطيا سلميا ومدنيا، يستند إلى المرجعية الإسلامية ويعتز بها. هذه الحالة، كانت في حقيقتها مرحلة انتقالية على طريق التبلور العلني القانوني الجمعوي أو الحزبي وذلك من خلال أحد سبيلين: إما تشكيل اطار وحدوي أو عبر مبادرة ذاتية، ومن خلال الجرد التاريخي التالي سأبين مسيرة التبلور العلني القانوني الجمعوي الحزبي. • في أواخر 1981 إلى حدود 1990، فقد تميزت بما يلي: ـ انشغال بمشروع توحيد الجهود (أي الوحدة بين المكونات الإسلامية العاملة في الساحة) ـ بدء التاسيسات الفكرية والسياسية الاولى ـ الانخراط في الدينامية المجتمعية من خلال العمل الجمعوي والثقافي. • من اواخر 1990 إلى حدود 1994 ـ بدء تبلور مشروع وحدوي فيما تواضعنا حينها على تسميته بالخط الثالث ـ اطلاق مبادرة بتأسيس مشروع سياسي مشترك تحت اسم: حزب الوحدة والتنمية في يوليوز 1992 بفاس إلا ان السلطة ستمانع للأسف في الترخيص له. وللأسف سيعرف المشروع الوحدوي تعثرات لنواصل المسيرة لوحدنا وهكذا.. • في دجنبر 1992 - قمنا بإصدار جريدة الجسر. وأقرأ لكم فقرات من افتتاحيتها التي كتبتها: "ولأنه لا تنمية بدون ديمقراطية وحقوق الإنسان وعدل اجتماعي، فستحتل المسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان وكذا قضايا العدل الاجتماعي مساحة هامة على أرض الجسر" وأردفت قائلا في تعبير عن انفتاحنا: "والجسر أيضا ستهتم بقضايا الفكر والثقافة المختلفة كما أنها مع نشر أي انتاج جاد أي كانت أرضيته الايديولوجية والسياسية ولكن شريطة جديته فنحن لن نرسم حدودنا بإيديولوجيتنا كما أننا لن نقبل بإنتاج غير ملتزم وغير جاد، فالفكر كما يقولون ملتزم بطبيعته وبطبعه". ـ وفي 10 دجنبر 1992، أي في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أطلقنا مبادرة طلابية تحت عنوان "الميثاق" لمنع الاحتراب والاقتتال في الجامعات وهاكم بعض فقراته: "فلنتمثل جميعا ذلك المفهوم الذي يقول بأن الديمقراطية هي من حيث الجوهر الحق في الاختلاف واعتبارها التزاما سياسيا ملزما لنا جميعا وذلك من خلال المبادئ التالية: 1 ـ الاعتراف المتبادل بين الأطراف الفاعلة في الساحة، 2 ـ احترام حق الاختلاف واعتباره معطى سياسيا وواقعيا، 3 - تجسيد قيم الاحترام المتبادل ومراعاة حرمة الجامعة، 4 ـ عدم اللجوء إلى العنف بكافة اشكاله المادية والإيديولوجية، 5 ـ عدم تبرير العنف او تسويقه، 6 ـ عدم اللجوء إلى السب والاستفزاز". ولهذا أقول: المغرب خيمتنا.. المغرب خيمتنا.. المغرب خيمتنا.. ونحن أوتادها.. فليضربوا كما شاؤوا كلما أزداد الضرب ازدادنا انغرسا في تربة هذا الوطن. ـ في فبراير 1993 عرضنا مشروع ميثاق سياسي على الساحة السياسية الوطنية، وكان مما كتبت فيه: "إن الحاجة حاجة ميثاق، والبحث هو بحث عن معقولية سياسية تسمح بالاختلاف وتؤطره ولا تدع مجالا للتنابز والتناحر والتمزق" العدد 3 من جريدة الجسر/فبراير 1993. وهكذا إذن لم نكتف بالميثاق الطلابي بل وسعنا الدائرة لتشمل الساحة السياسية. وهذا مؤشر دال على توجهاتنا السياسية السلمية المدنية. • من أواخر 1994 إلى حدود 1998 ـ الشروع في نقاشات ترتيبية وتمهيدية للتبلور العلني، ومن ضمن النقاشات تلك التي تمثلت في تنظيم ندوة داخلية حول: حالة الاختيار الإسلامي والمستقبل (أي سؤال التبلور العلني القانوني). ـ في اكتوبر 1997 إصدار جريدة النبأ. وهاكم فقرات من افتتاحية العدد الثاني كتبتها تحت عنوان " نداء من أجل بداية سياسية سليمة"، أقول فيه:" ماذا يكون الوطن حين تتحول الايدولوجيا إلى شراكة والتداول إلى تناوب والمهام إلى مجرد رهانات، او ليست هذه فاجعة حينما يفقد الوطن معناه ورمزيته؟ حينما يتحول التوافق والتراضي إلى تغاضي عن التعاقد الدستوري الحقيقي وعن مصير معتقلي الرأي والسياسة الذين يرزحون في السجون وعن الحق في الوجود السياسي المستقل لمواطنين مغاربة وعن عدم محاسبة من تسببوا في سوء تدبير القطاعات العامة وشبه العامة التي تمت خصصتها وعن التجاوزات في ملف حقوق الإنسان والحريات.. تكون فاجعة الوطن كبيرة.. وحينما تتساوى الأوضاع بين من أفسدوا ومن لم يفسدوا تكون فاجعة الوطن أعظم". وقد ختمت هذه الافتتاحية قائلا: " في هذا الزمن المغربي بلوحته الحزينة والخريفية، هل يستطيع الخطاب الرتيب الصمود أمام عتو الأوضاع المتدهورة؟ وهل يستطيع الكرنفال الانتخابي حجب الرؤية واحتواء الموقف؟ وحده الخطاب الصادق قادر على اخراج البلاد من رتابتها، وقادر ان يفتح البلاد على آفاق واعدة. ووحده الخطاب الصادق يستطيع اقناع المواطن بان هناك شيئا جديدا يستحق عناء المشاركة وواجب التضحية". ـ في أكتوبر 1998، تأسيس الحركة من أجل الأمة. • من 1999 إلى حدود 2001 ـ انخراط في الدينامية السياسية والمجتمعية. ـ لقاءات حوارية مع مختلف المكونات الفكرية والسياسية والثقافية ـ إصدار الجزء الأول من رسالة البصيرة.. وقد كان من ضمن اهدافها ومقاصدها ترسيخ المعرفة الشرعية والعقلية المحصنة ضد الغلو والتطرف. ـ الشروع في مناقشة الجزء الثاني من رسالة البصيرة وهو مخصص للتأصيل لنوازل العصر مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. • من اواخر 2001 إلى 2004 ـ عقد المؤتمر الأول للحركة من اجل الأمة في نونبر 2001 وقد كان من ابرز قراراته مسألة التبلور السياسي. ـ تدشين نقاشات فكرية وسياسية والشروع في ترتيبات تأسيس حزب الأمة. • من 2005 إلى 2007 ـ في نونبر 2006 ايداع ملف تأسيس حزب الأمة. ـ 3يونيو 2007 عقد المؤتمر التأسيسي لحزب الأمة. بعد ممانعة السلطة تسليمنا اشعار المطابقة ـ في صيف 2007 احالة ملف تأسيس حزب الأمة على القضاء الاداري من طرف وزارة الداخلية بهدف إبطاله. • 18 فبراير 2008 تم اعتقالي وتستمر المسيرة. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، من خلال هذا الجرد التاريخي يمكن القول: أولا، إنه ليس في هذا التاريخ ما يجرح في هويتنا السلمية المدنية. إن الأمر يتعلق بمشروع سياسي يهدف إلى ترسيخ مقومات الدولة التعاقدية والحقوقية والقانونية والديمقراطية في إطار هويتنا الحضارية الجامعة، ويتوسل لبلوغ ذلك عملا سميا مدنيا. ثانيا: هناك قاعدة فقهية قانونية ذهبية تقول: الأصل في الصفات الأصلية الوجود والأصل في الصفات العارضة العدم. ففي مسيرة تاريخية سياسية وفكرية وتنظيمية تتجاوز ثلاثين سنة(30)، يتم التركيز اليوم على سنتين أو ثلاث سنوات من بداية تسعينات القرن الماضي واتهامنا ظلما وزورا. وقد بينا لهيئة الحكم المحترمة من خلال الجرد التاريخي الذي قدمناه أصالة توجهنا السلمي المدني لأننا نعتبر العنف سلاح العاجزين. فوا حزناه على هذا البلد.. ما هكذا تكون دولة الحق والقانون.. وما هكذا تبنى الاوطان. 2 ـ الواقعة الثانية: توجيه السيد محمد الشعباوي إلى اختراق سلك الشرطة بداية ما هي الواقعة التي تتحدث عن هذا التوجيه أي ما هي الأجوبة عن الأسئلة التالية: متى؟ كيف؟ وأين؟.. لا نجد جوابا في المحضر المزور. ثانيا: سياق هذه الواقعة المزعومة يقول انني كنت خارج الوطن حينها وتحديدا بفرنسا حيث كنت اتابع دراساتي العليا (دبلوم الدراسات المعمقة في التحليل الاقتصادي والمالي من جامعة أورليان بفرنسا، ودبلوم الدراسات العليا في التدبير بإفري بفرنسا) وذلك منذ أواخر سنة 1985، وهو ما معناه أن ارتباطي بالمغرب أصبح محدودا وعليه، فأقل ما يقال في هذه الواقعة إن لم نقل ببطلانها فان نقول باحتمال حصولها، والحال أنه لا حجة مع الاحتمال، الاحتمال لا يبنى ولا يؤسس القناعة، بل هو يصب لجهة الشك والشك يفسر لفائدة المتهم كما تنص ديباجة قانون المسطرة الجنائية. ثالثا، لو تأملنا في روايات المعنيين بهذه الواقعة، فماذا نجد؟ في المحضر المزور المنسوب إلى السيد الركالة، لا وجود لأي إشارة لهذا التوجيه المزعوم. أما في المحضر المنسوب للسيد المعتصم فنجد العبارة التالية: لم يسبق أن شجعته على ذلك. اما في محضر السيد الشعباوي فنجد التأكيد على أن المرواني لم يسبق له ان وجهه إلى ذلك. فما الذي تبقى من صدقية وحجية لهذه الواقعة؟ رابعا، لاحظوا معي السيد الرئيس في خلال عشرين سنة، لم نقم سوى بتوجيه فرد واحد إلى سلك الشرطة.. فهل هذا هو الاختراق كما تزعم المحاضر المزورة للضابطة القضائية؟ إن من يستطيع توجيه فرد واحد يستطيع بالتأكيد في عدة أفراد.. وهذا مؤشر أخر على تهافت الواقعة وعدم صمودها أمام المساءلة والتمحيص، وهي مؤشر أيضا على ما طال محاضر الشرطة القضائية من تزوير مكشوف ومفضوح. خامسا: لنتساءل السيد الرئيس معا.. ما الذي قدمه السيد الشعباوي لهذا التنظيم الارهابي المزعوم؟ لاشيء.. لقد بين لكم السيد الشعباوي من خلال المناقشة معه استحالة وامتناع المنسوب إليه. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، إن إدراج اسم السيد الشعباوي في هذه النازلة كان جزءا من الاخراج الرديء من أجل التضخيم والتهويل. ولكن (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فمن حيث أرادوا ادانتنا واتهامنا يأتي دليل براءتنا ولله الحمد. الخلاصة السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، هي ان هذه واقعة فاقدة لمواصفات الواقعة القانونية، فلا جواب عن متى ولا أين ولا كيف؟ وهذا كاف لإبطالها. ثم إن هذه واقعة محتملة الوقوع (ولا حجة مع الاحتمال)، وواقعة متعددة الروايات (ولا حجة مع تعدد الروايات). ولهذا كله، فإن لم تقولوا ببطلانها، فهي ليست دليلا يمكن الاستناد إليه في متابعتنا. 3 - الواقعة الثالثة: انشاء جناح مسلح أو جناح خاص بداية، لاحظوا معي السادة أعضاء هيئة الحكم هذا البناء في نص المحضر المزور: "ما بين سنة 1988 و 1990، اتفاق على تأسيس جناح مسلح" والحال انني كنت حينها بفرنسا اتابع دراساتي العليا للحصول على دبلوم الدراسات العليا في التدبير.. ويضيف المحضر المزور: "في سنة 1990، تفكير جدي لإنشاء الجناح المسلح" دون ذكر التاريخ بالضبط (أي اليوم) ولا الاجراءات المتخذة من أجل ذلك ودون مقدمات، ودون ذكر للتدابير التي اتخذت لإنشاء الجناح المسلح المزعوم، يخبرنا المحضر المزور انه في سنة 1992، بدأ الشروع في "تفعيل هذا الجناح" فهل تم انشاؤه حتى يتم تفعيله؟ هذه مفارقات وعجائب هذا المحضر المزور: اتفاق ثم تشاور ثم تفكير بجدية ثم تفعيل. ثانيا، هذه المعطيات المذكورة تفتقد لمواصفات الواقعة القانونية. ثالثا، لنتساءل السادة اعضاء هيئة الحكم، لماذا سنؤسس جناحا مسلحا؟ ما الحاجة إليه؟ وما الداعي إليه؟ يذكر المحضر المزور أربعة دواعي: الأول، هو حماية أفراد الاختيار الإسلامي.. ونحن نتساءل: ممن ومماذا؟ من كان يهددهم وخاصة أن السياق العام في البلاد في بداية التسعينات كان يعرف دينامية سياسية هامة (حركة سياسية تمثلت من ضمن ما تمثلت في تقديم الكتلة الديمقراطية بملتمس الرقابة) كما كان يعرف حيوية اجتماعية مدنية (المركزيات النقابية التابعة للكتلة كانت وراء اضرابات عامة..) – إذن الزمن كان زمن الفعل السياسي والاجتماعي بامتياز، بحيث لم تكن البلد في حرب أهلية أو تعرف مواجهات مسلحة. وعليه، فإن منطق السياق الموضوعي للمغرب في تلك الاونة ( أي بداية التسعينات) يجعل مجرد التفكير في إنشاء جناح مسلح أمرا مستحيلا وممتنعا. الآن لننتقل إلى الداعي الثاني حسب نص المحضر المزور.. إنه "ضمان مصادر تمويل" ونحن نقول.. إن خيارنا الاستراتيجي كان وسيبقى دوما هو الاعتماد على الذات والتمويل الذاتي وذلك لحماية وصيانة استقلالية قرارنا السياسي التنظيمي. ثم إذا كان الهدف هو تمويل جريدة الجسر..فإننا نذكركم السيد الرئيس والسادة المستشارون بان الجريدة صدرت في دجنبر 1992 في حين أن العمليات المزعومة لم تتم إلا بعد ذلك وأضيف أنه من عجائب هذه النازلة أن كل المحاولات المزعومة كانت فاشلة والحال أننا استطعنا إصدار الجريدة.. فمن أين استطعنا تمويل الجريدة؟ وافتح هنا قوسين السيد الرئيس والسادة المستشارون لأقول: لماذا كل العمليات المزعومة كانت فاشلة؟ في حين أننا نرى اليوم تنفيذ عمليات ناجحة بالسكاكين في حين نحن، حسب وزير الداخلية، نمتلك "أسلحة حربية" ولم نستطع انجاح أي عملية من تلك العمليات المزعومة؟ أليست هذه مفارقة في هذا الملف المفبرك؟؟ أما عن الداعي الثالث لتأسيس جناح مسلح بحسب المحضر المزور فهو " الرد على الأحكام القاسية على ناشطين اسلاميين" وهذا نموذج للتزوير الفاضح. لقد سألوني عن أسباب التأخر في التبلور السياسي القانوني، فكان جوابي واضحا: السلطة هي المسؤولة، فبسبب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أولا (ما تعرض له الاسلاميون واليساريون نموذجا) وبسبب ضيق الحريات العامة والهوامش الديمقراطية بحيث حرمنا ومنعنا من تأسيس حزب الوحدة والتنمية في يوليوز 1992 ثانيا. وللأسف استعملوا هذه الاجوبة في غير سياقها في محاولة لبناء خلفية لما ادعوه ونسبوه لنا من وقائع ومنها تأسيس جناح مسلح مزعوم. ولبيان فساد هذا البناء اقول إن محاكمة الاسلاميين تمت في سنة 1983 والتأسيس (أي تأسيس الجناح المسلح المزعوم) لم يتم إلا في سنة 1992 هذا حسب المحضر المزور. بمعنى أنه انتظرنا تسع سنوات لنرد على محاكمة اولئك الاسلاميين. هذه مفارقة والغريب في كل هذا، هو أنه في سنة 1994 سيتم اطلاق سراح غالبيتهم مع بدء الانفراج الحقوقي الذي عرفته بلادنا. وأخيرا أتساءل كم محاولة قمنا بها لإخراج أولئك المعتقلين من السجن؟ ما دام احد الدواعي لتأسيس الجناح المسلح المزعوم هو تحرير أولئك المعتقلين .. لا شيء.. أليس هذا عبثا أيها السيد الرئيس وأيها السادة المستشارون. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، الآن لنتأمل حصيلة هذا المشروع المزعوم خلال 20 سنة؟ خمسة وثلاثون (35) شخصا لا يعرف بعضهم بعضا بلا أية علاقات تنظيمية وبمحاولات فاشلة وبعلاقات منقطعة في الزمن بين من يتعارفون تصل إلى خمسة سنوات وفي بعضها إلى عشر سنوات او يزيد. ثم حين نقول تنظيم.. فمعناه: لقاءات منتظمة في الزمان والمكان، وتوسع في القاعدة التنظيمية ووجود هيكلة وتراتبية تنظيمية. ألم أقل السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون اننا أمام اخراج رديء. السيد الرئيس المحترم السادة المستشارون المحترمون، اسمحوا لي أن اختم حديثي حول هذا الادعاء المزعوم ببسط موقفنا التاريخي من العنف من خلال الأقوال والأفعال. • الاختيار الإسلامي قلت في بداية حديثي أن أحد علل ميلاد الاختيار الإسلامي هو نبذ العنف وتبني منهج الانفتاح والحوار. فالاختيار الاسلامي كحالة نقدية، مثل ارهاصات أولية لمدرسة الحوار وإعمال العقل، للتجديد والاجتهاد ولممارسة السياسة النظيفة. في مرحلة الاختيار الإسلامي أيضا شددنا على الانخراط في الدينامية الثقافية والجمعوية والاجتماعية والنقابية وأسسنا أو ساهمنا في تأسيس العديد من الأطر الجمعوية وتنشيط العديد من الندوات الثقافية والفكرية. كما اشتركنا في العمل الاجتماعي وخاصة على مستوى محو الأمية وتقديم خدمات اجتماعية لفائدة المواطنين المغاربة المتضررين. كما انخرطنا في العمل النقابي سواء على الصعيد الطلابي او المهني والعمالي. وفي سنة 1992، أطلقنا مبادرة طلبة الميثاق داخل الجامعة في فعل جدي وجهد فكري معتبر لتحصين الجامعة من أتون الاحتراب والعنف. وفي سنة 1993 وتحديدا في فبراير 1993 كتبت في العدد الثالث من جريدة الجسر مقالا حول الديمقراطية وحقوق الإنسان قناعات مركزية من ضمن ما قلت فيه:" لسنا ضد احد.. نحن ضد الفقر لأنه كاد أن يكون كفرا.. ضد الجوع، ضد المضايقة على الحريات العامة، ضد الاعتقال بسبب الرأي، ضد البطالة.. ضد المرض.. ضد الجهل.. هذه هي معركتنا الشريفة" وأضفت قائلا: "نريد عدلا سياسيا يضمن للمواطن حريته وكرامته وحقه في التعبير عن نفسه عبر كافة أي أشكال القانونية والديمقراطية". وفي مقال افتتاحي تحت عنوان "الفتنة أشد من القتل" في العدد 16 من جريدة الجسر في أبريل 1996 وعلى إثر الأحداث الدموية التي عرفتها كل من الجزائر ومصر قلت: "ليس هناك ديمقراطي واحد يمكن أن يقبل بسقوط قطرة دم واحدة هدرا" وختمت الافتتاحية قائلا: "الحل هو الديمقراطية ولا خيار إلا الديمقراطية فهي سبيل القضاء على جذور الفتنة". وفي مقال افتتاحي تحت عنوان "كيف نتصدى للإرهاب" في العدد 20 من جريدة الجسر في شتنبر 1994 وتعليقا على أحداث أطلس أسني، قلت: "الطريق الصحيح لن يكون سوى الاستمرار في مسلسل الاصلاح السياسي الذي دشن أخيرا وذلك بالإقدام على اصلاح دستوري حقيقي وتصفية ملف الاعتقال السياسي نهائيا والانفتاح والاعتراف بالقوى السياسية الإسلامية الصاعدة". وفي دجنبر 1994، في العدد 38 من جريدة الصحوة قلت بوضوح جازم في الحوار الذي أجرته معي: "الإسلاميون أعلنوا جهارا أنهم ضد العنف وينبذونه بل ويعتبرونه سلاح العاجزين" • الحركة من أجل الأمة حينما وقعت أحداث 16 ماي 2003 الدموية، أصدرنا بيانا باسم الحركة من أجل الأمة نشره الموقع الرسمي لوزارة الخارجية المغربية كما أكد وزير الأوقاف، وفي برنامج خاص للقناة الثانية أن الحركات الإسلامية المعتبرة ومن ضمنها الحركة من أجل الأمة، تنظيمات تنبذ العنف. ولم يتوقف الأمر عند إصدار بيان إدانة، بل شاركنا في مختلف التظاهرات المناهضة للتطرف والغلو والعنف، كما ساهمت شخصيا في العديد من الندوات التي أقمت لهذا الغرض اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الندوة التي نظمتها جريدة الصحيفة في عددها 115 بتاريخ 31 ماي 2003 أي حوالي اسبوعين بعد وقوع الاحداث الدموية. وقد كان من أبرز ما قلته في هذه الندوة: "أن الاعمال التي ارتكبت اجرامية وعدوانية لكنها ليست ظاهرة مجتمعية ولا تعبر عن الخط العام للمجتمع" وختمت في النهاية بالقول: "إن الذي يحب المغرب هو الذي يدفع باتجاه تحقيق الاصلاحات المنتظرة سواء فيما يتعلق ببرنامج الاصلاح الديمقراطي أو فيما يتعلق بقضية التنمية" لأن ذلك هو حصانتنا الحقيقية ضد الغلو والتطرف والعنف وكافة أشكاله وتمظهراته. وفي الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة من أجل الأمة أصدرت كتيبا حول الاختيار الوسطي للحركة، وقد نشر في حلقات في بعض الصحف الوطنية، وقد كان من أبرز ما قلت فيه: "أن المتأمل المنصف في حصيلة العشرية الأولى من مسيرة الحركة من أجل الأمة ليلحظ بوضوح ناتجها ونتاجها الوسطي لا على الصعيد الفكري ولا على الصعيد العملي حيث لم يسجل عليها أي قول أو فعل يمكن نعته بالغلو والتطرف أو يحرص على العنف أو يركن إلى المفسدين والذين ظلموا" وأردفت قائلا: " إن الوسطية هي علة تكليف أمتنا بالشهادة على الأمم.. قال الله عز وجل:" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" البقرة/143.ولما كان الأمر كذلك كان التكليف بالنسبة للحركة من أجل الأمة، في بلاغها وبيانها ودعوتها وكفاحها ملزما (من اللزوم) بموافقة مقتضى الوسطية لكي يكون موافقا للشرع: فالتكليف الشرعي هو بالطبيعة وبالضرورة تكليف وسطي ومن هنا كانت الوسطية اختيارا ولم تكن اضطرارا أملته ضرورات موضوعية أو ذاتية ولا ظروف مرحلية عابرة. • حزب الأمة إن الاطلاع على الوثائق التأسيسية لحزب الأمة كاف للخروج بخلاصة واضحة حول هويته الفكرية والسياسية والإستراتيجية السلمية والمدنية والمتحضرة.. وأقتطف هنا فقرات خفيفة تبيانا لذلك. "اخترنا في حزبنا بوعي ومسؤولية المرجعية الإسلامية. ونحن إذ نعتز بذلك، نجد من الضروري أن نقدم التوضيحات التالية: الدين الإسلامي مكون أساسي في مكونات الهوية المغربية والبنية الثقافية للمجتمع المغربي، وبالتالي لا يمكن بنظرنا أن نحقق تقدما في الإصلاح بدون النظر في هذا المكون. ولذلك، نحن مع التجديد الديني لأنه يحرر الدين مما علق به من أمور لا تمت له بصلة والتي تمثل عائقا في الوعي يعطل الاندفاع نحو الإصلاح. إن المطلوب اليوم تجديد الفهم في ضوء قراءة متجددة للواقع من جهة والدفع بعملية الاجتهاد وتوسيع مساحة العقل في التعاطي مع أسئلة العصر وقضاياه. ولذلك كنا من أنصار استئناف النظر في المسألة السياسية الإسلامية التاريخية . وهذه المهمة لن تتأتى بدون إعادة بناء وتركيب الفكر السياسي الإسلامي التاريخي بعد تنقيته وتحريره من بعض القيود التاريخية. ونرى أن حاصل هذه العملية التجديدية بنظرنا سيسهل الإصلاح السياسي ويوفر البيئة الملائمة لتنزيله وتفعيله. هذا من جهة، أما العلاقة بين الديني والسياسي في منظور حزب الأمة فيمكن اختصارها فيما يلي : أولا، أن السياسة في الإسلام من القضايا المخولة إلى نظر الخلق أي هي من قضايا الاجتهاد ولذلك كان مدارها على الاستصلاح أي طلب المصلحة ودفع المضرة. ثانيا، أن الدولة في المرجعية الإسلامية دولة مدنية والمجتمع هو مبرر وجودها على اعتبار أن وجود المجتمع سابق عن وجود الدولة والدولة إجراء لاحق لتنظيم الاجتماع السياسي للمجتمع. ثالثا، أن الاعتقاد الديني ليس شرطا في المواطنة أو الانتماء للوطن في المرجعية الإسلامية، وبالتالي فإن وضع غير المسلمين في إطار الدولة هو وضع المواطنين. أما نتائج هذه المقاربة فهي أن اعتماد المرجعية الإسلامية من قبل حزب سياسي لا تخول له إضفاء أية قداسة على بيانه وعمله لأن التصرف السياسي تصرف مدني وكل تصرف مدني هو بالضرورة نسبي وكل ما هو نسبي يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ. إننا بحاجة إلى إطارات سياسية وثقافية تتقن فن الاستيعاب والتركيب، وتستطيع أن تحل إشكالية الثنائيات المتخاصمة، وتجمع حسنات المشهد السياسي بدون أية حساسية تضيق واسعا، أو تتعصب لوجهة نظر مرجوحة، تنخرط في عملية التدافع السياسي وهي مستندة على خلفية حضارية وتاريخية وشعورية، هي خلفية الانتماء لعقيدة الأمة وتراثها النهضوي، ومنفتحة في الآن نفسه على كل المكتسبات الإنسانية والتاريخية؛ فصحة المرجعية ركن في صحة الانطلاق، وفهم الواقع والتشابك معه، واستيعاب منجزاته والمشاركة فيه شرط في صحة المشروع والبرنامج. وبناء عليه، يجد حزب الأمة نفسه في إطار هوية مغربية متجددة ومنفتحة لا تتنكر للتاريخ المشرق للحضارة المغربية وتعتبر دروس الماضي وتنفتح على مكتسبات الخبرة الإنسانية وعلى أسئلة المستقبل، تتمسك بالثوابت وتتفاعل إيجابا مع المتغيرات. وعليه: - يرى حزب الأمة أن الإسلام ثابت أساسي من ثوابت المغاربة والدولة المغربية، وهو ملك للجميع ولا يحق لأي أحد أن يحتكر تمثيله أو التكلم باسمه. - يؤكد الحزب على أن ثابت الإسلام في الهوية المغربية لا يلغي ولا ينفي مكانة وحقوق الأقلية الدينية، لأن الاعتقاد ليس شرطا في المواطنة والانتماء للوطن. اخترنا لتحقيق مجموع الأهداف التي نتطلع إليها هوية إستراتيجية علنية، سلمية ومدنية تؤكد على قوة الحجة لا على حجة القوة، واقعية ومبدئية، مستقلة ومنفتحة، ديمقراطية، وإيجابية ترفض خطاب التيئيس وشعارها " أن نشعل شمعة خير من أن نستمر في لعن الظلام". وهنا لابد من الوقوف عند أربعة موجهات أساسية في إستراتيجية حزب الأمة : أولها، إن هذا الحزب مستقل في منطلقاته وأفقه، وليس امتدادا تنظيميا لأية جهة ويرفض أن يكون أداة في خدمة مشاريع الآخرين، ويسعى للمساهمة في حل مشاكل البلاد : فهو مع العدل وضد الاستبداد، مع التداول وضد الاحتكار، مع الحريات وضد القمع، مع الوحدة وضد التجزئة، مع التنمية وضد التخلف، مع الاستقلال وضد الاحتلال، مع التعاون والتنسيق في المتفق فيه ومع الحوار في المختلف فيه. الموجه الثاني، هو أن حزب الأمة ليس معارضة مطلقة، فهو يدور مع المصلحة الشرعية والوطنية حيث دارت، ولن يتردد في مساندة أي مبادرة يقدر أنها خيرة مهما كان مصدرها ولن يتوانى في مناهضة كل مبادرة يقدر أنها مضرة أيا كان أصحابها، وفي كلتا الحالتين فهو ملتزم بالتدبير السلمي والمدني والديمقراطي للاختلاف الثقافي والسياسي والاجتماعي. الموجه الثالث، هو أن حزب الأمة إطار مفتوح ومنفتح : مفتوح أمام كل الفعاليات والتنظيمات والمجموعات ومنفتح على التطوير والإغناء والتجدد. أما الموجه الرابع فهو الإيجابية أي أن الحزب لا يجد نفسه في الأطروحات المغالية إن في التفاؤل أو التشاؤم، ويرى أن بلادنا بحاجة إلى خطاب سياسي جديد يعيد قراءة الواقع تثمينا لإيجابياته ودفعا لسلبياته، خطاب يقوم على بعث الأمل في الإصلاح والتغيير بدل نشر ثقافة اليأس والإحباط، وبحاجة إلى إرادة سياسية صادقة غير مستعدة للتطبيع مع التخلف والاستبداد". كما لم يتخلف الحزب وهو في طور التأسيس في إدانة كل اعمال العنف والغلو والتطرف، بحيث أصدر بيانا من الأحداث التي عرفتها بلادنا في سنة 2007. السيد الرئيس السادة المستشارون المحترمون، بعد هذا العرض التاريخي الذي بسطنا من خلاله غيضا من فيض مواقفنا وأقوالنا فيما يتعلق بالغلو والتطرف والعنف، أرى من المناسب أن أعرج على احدى الخلاصات الاساسية التي استخلصناها من زبدة التجارب الإنسانية في إطار الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو احق بها، ومفادها أن المقاومة المسلحة لم تنجح إلا في حالتين: إما في مواجهة احتلال أو مواجهة نظام عسكري مستبد يصادر الحريات مطلقا. وفي المغرب، لسنا أمام احتلال ولا أمام نظام عسكري مطلق، نعم هناك ملاحظات أساسية حول حالتنا السياسية العامة، ولكن لا دليل شرعيا أو عقليا يبرر اللجوء إلى القوة. في الخلاصة إذن السيد الرئيس السادة المستشارون المحترمون، هذه الواقعة المزعومة (أي واقعة تأسيس جناح مسلح) هي واقعة ممتنعة الوقوع: فهي واقعة فاقدة لمواصفات الواقعة القانونية، وهي مختلقة ومفبركة ولذلك هي مليئة بالتناقضات اما آفتها الكبرى فهي انها واقعة يعوزها القصد الجنائي، فلا تعبير سياسيا أو فكريا يسندها. فنحن، كنا وما نزال، نمثل خطا فكريا وسياسيا مدنيا سلميا ديمقراطيا عقلانيا وتنويريا منفتحا وايجابيا، وخاتمة القول بهذا الخصوص: لقد قام مشروعنا تاريخيا على قاعدتين توجيهيتين ذهبيتين جامعتين وهما: "قوة الحجة لا حجة القوة" و "أن نشعل شمعة خير من أن نستمر في لعن الظلام" 4 - الواقعة الرابعة: لقاء طنجة 1992 وتأسيس الجناح المسلح لقد بني على هذا اللقاء العارض وهم كبير اسمه "قضية بليرج". وللأسف، لقد ساهم وزير الداخلية في ندوته الصحفية بتاريخ 20 فبراير 2008 عقب اعتقالنا بيوم وليلة في إعطاء أبعاد لهذا اللقاء العارض العابر، بحيث قدم خلال ندوته تلك معطيات غير صحيحة لم تسئ فقط إلى مبدأ قرينة البراءة ولا إلى سرية التحقيق، بل كانت بمثابة توجيه سياسي صريح لضباط الشرطة القضائية وفيما بعد لقاضي التحقيق. وهذه طامة كبرى.. إنه انتهاك جسيم لفضاء السلطة القضائية.. إنه خرق للقانون.. فماذا يقول القضاء بخصوص هذا الانتهاك الجسيم وخاصة .. أن هناك اليوم إرادة سياسية لإصلاح القضاء؟ إن هذا الانتهاك الجسيم لإرادة القضاء كاف لوحده لإبطال متابعتنا ووقف هذه المحاكمة السياسية. الآن بالعودة إلى سؤالكم أقول انه في بداية التسعينيات أي ما بين 1990 و 1994، بدأنا سلسلة من الحوارات باتجاهين: باتجاه بعض مكونات الساحة الإسلامية بهدف تشكيل جبهة عريضة، وباتجاه التعريف بمشروعنا السياسي والفكري وهذا اللقاء العرضي جاء بشكل عفوي ضمن سلسلة تلط اللقاءات التعريفية، حتى أنني لا أتذكر تفاصيله.. كان مجرد لقاء تعريفي تعارفي ولم يدم وقتا طويلا فيما أذكر.. وانتهت قصته.. هذا اللقاء جمعنا مع السيد بليرج وكان اللقاء الأول والأخير. جانب ثان، هل يعقل ويستساغ في أول لقاء أن نشرع في الحديث عن تأسيس جناح مسلح؟ هذا مناقض لمنطق الأشياء. وهذا ناقض لما ادعاه وزير الداخلية في ندوته ولقائه مع البرلمانيين. ثم من حيث السياق الذاتي نحن في تلك المرحلة بالذات أقدمنا على ثلاث خطوات: في يوليوز 1992 قمنا بإيداع تصريح لتأسيس حزب "الوحدة والتنمية" لكن السلطة ما نعت في الترخيص له. وفي دجنبر 1992، أصدرنا العدد الأول من جريدة الجسر.. وفي 10 دجنبر 1992، أطلقنا مبادرة في الجامعة تحت عنوان "الميثاق" والهدف هو وضع آليات لتدبير سلمي للاختلاف ومنع الاحتراب داخل الجامعة. أما السياق الموضوعي، فقد كان يتميز بدينامية اجتماعية وسياسية لا يمكن إلا أن ترجح الخيار السياسي السلمي المدني، وبالتالي، وحيث إن هذه الواقعة تفتقر لعناصر الواقعة القانونية، وحيث إنها مناقضة لمنطق الأشياء ومناقضة للسياق في شقيه الذاتي والموضوعي، وحيث إنها تتناقض كليا مع هويتنا الفكرية والسياسية، يكون من الممتنع والمستحيل ان يكون هذا اللقاء قد ناقش فكرة تأسيس جناح مسلح. إنه الاختلاق ليس إلا. 5 - الواقعة الخامسة: محاولة السطو على ماكرو - 1994 لن اتكلم عن النواقض القانونية لهذه الواقعة فهي اكثر من أن تحصى (تناقض الروايات، غياب التواريخ..)، ولكن سأكشف لكم السيد الرئيس السادة المستشارين عن فضيحة هذا الملف. ففي تمرين للذاكرة وجدت دليلا كاشفا فاضحا بحيث إن جريدة الاتحاد الاشتراكي نشرت في عددها رقم 4037 بتاريخ 29 غشت 1994، بلاغا لوزارة الداخلية رقم 4 حول قضية أطلس اسني، ومما ورد في هذا البلاغ ما يلي: " وحسب المعلومات المتوفرة لدى مصالح الأمن فإنه تبين بان الهجومات التي بوشرت ضد مؤسسة "ماكدونالد" بالدار البيضاء يوم 09-11-1993 والشركة المغربية للإيداع والقرض يوم 26 من نفس الشهر وكذا على المركز التجاري "ماكرو" الدر البيضاء في 15-08-1994 كانت كلها من تنفيذ المجموعة المعتقلة. إن هذه البينة التي قدمتها كافية تماما لاتخاذ قرار قضائي شجاع بعدم متابعتنا وتبرئتنا ويقول برد الاعتبار إلينا. |